ابراهيم بن عمر البقاعي

217

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان هذا من أغرب الأمور وإن غفل عنه لكثرة إلفه ، نبه على غرابته ومزيد ظهور القدرة فيه بتكرير النافي في أشباهه وعلى أن البصر لا ينفذ إلا في الظلمة ، تنبيها على أن المعاصي تظلم قلب المؤمن وإن كان بصيرا ، وقدم الظلمة لأنها أشد إظهارا لتفاوت البصر مع المناسبة للسياق على ما قرر ، فقال في عطف الزوج على الزوج وعطف الفرد على الفرد جامعا تنبيها على أن طرق الضلال يتعذر حصرها : وَلَا الظُّلُماتُ التي هي مثال للأباطيل ؛ وأكد بتكرير النافي كالذي قبله لأن المفاوتة بين أفراد الظلمة وأفراد النور خفية ، فقال منبها على أن طريق الحق واحدة تكذيبا لمن قال من الزنادقة : الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق : وَلَا النُّورُ * الذي هو مثال للحق ، فما أبدعهما على هذا التضاد إلا اللّه تعالى الفاعل المختار ، وفاوت بين أفراد النور وأفراد الظلمة ، فما يشبه نور الشمس نور القمر ولا شيء منهما نور غيرهما من النجوم ولا شيء من ذلك نور السراج - إلى غير ذلك من الأنوار ، وإذا اعتبرت أفراد الظلمات وجدتها كذلك ، فإن الظلمات إنما هي ظلال ، وبعض الظلال أكثف من بعض . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 21 إلى 26 ] وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ( 23 ) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 25 ) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 26 ) ولما كان الظلام ينشأ عن الظلال ، وهو نسخ النور ، قدمه فقال مقدما مثال الخير لأن الرحمة سبقت الغضب : وَلَا الظِّلُّ أي ببرده الذي هو مرجع المؤمن في الآخرة وَلَا الْحَرُورُ * أي بوهجها ، وهي مرجع الكافر ، قال البغوي : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هي الريح الحارة بالليل ، وكذا قال في القاموس وزاد : وقد يكون بالنهار وحر الشمس والحر الدائم والنار ، فانتفى حكم الطبائع قطعا . ولما كان المظهر لذلك كله الحياة ، قدمها فقال مثالا آخر للمؤمنين ، ولذلك أعاد الفعل وهو فوق التمثيل بالأعمى والبصير ، لأن الأعمى يشارك البصير في بعض الإدراكات ، وصار للمؤمن والكافر مثالان ليفيد الأول نفي استواء الجنس بالجنس مع القبول للحكم على الأفراد ، والثاني بالعكس وهو للنفي في الأفراد مع القبول للجنس : وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ أي لأن منهم الناطق والأعجم ، والذكي والغبي ، والسهل والصعب ، فلا يكاد يتساوى حيان في جميع الخلال وَلَا الْأَمْواتُ أي الذين هم مثال